محمد عبد الله دراز

319

دستور الأخلاق في القرآن

يسمع رنين ساعة منبهة ، إننا نخلط بين نظامين مختلفين تماما حين نقول : إنّ قانون الطّبيعة الّذي يضغط على البدن ، ويشل حركته ، يعوق بنفس القدر إرادة الاستيقاظ . فالحقيقة أنّه يكفي أن تمتد اليقظة لبضع لحظات كافية لتحريك الشّعور ، وتضمن عدم سعادة النّوم في الحال - فإنّ هذه الحالة الطّبيعية تترك أمام الإرادة ثلاثة مواقف ممكنة للاختيار على سواء : فقد يقول المرء لنفسه ، وجسمه لا يزال في حالة خمود : « يجب أن أواصل راحتي » ، أو « أرجو أن أستيقظ ، ولكني لا أستطيع أن أعزم » ، أو « يجب أن أنهض للعمل » . ومن الواضح أنّ الموقف الأوّل المعادي للواجب في إصرار ، لا يمكن أن يكون مما تفرضه الطّبيعة ، إذ أنّ المرء يستطيع ، دون أي تغيير في الوضع المادي - أن يتخذ الموقف الأوسط الّذي ينطوي على إرادة ضعيفة ، وهذه الإرادة هي المعادل العمل للهروب . وعليه ، فمتى ما بلغ المرء مرحلة اختيار هذا الحلّ الوسط أصبح من اليسير أن يتحقق من صحة هذا الحكم الّذي نصدره مسبقا عن عجز إرادتنا . وبحسبنا أن نشرع في محاولة ، مجرد انتفاضة مصطنعة ، حتّى نسقط كلّ وهم عن حقيقة حريتنا . نعم ، إنّه مع قليل من التّوتر ، ومع شيء من الحماس ، ينهض أكثر النّاس نعاسا ، ويمضي في عزمه « 1 » .

--> ( 1 ) هذه الفكرة الّتي عالجناها هنا أشار إليها حديث معروف ، يتعلق على وجه التّحديد بمقاومة هذا الميل الضّعيف إلى الاستيقاظ ، وتتألف الطّريقة المأمور بها من مراحل متعددة ، تهدف إلى تحطيم هذه القيود المادية المفروضة على الإرادة - بعضها في إثر بعض : أنطق كلمة تذكرك بالواجب ، قم ، أغسل وجهك ، وأعضاءك بالماء ، إلخ . . فإذا كان الجسد قد أنتعش على هذا النّحو بقدر ضئيل من الجهد المؤلم في البداية ، فإنّه سوف يرد إلى النّفس بعد ذلك راحتها ومسرتها . ( انظر ، صحيح البخاري : 1 / 377 - باب -